يحيي بن حمزة العلوي اليمني
72
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
القول الثالث محكى عن الزمخشري ، وحاصل مقالته هو أن ورود الالتفات في الكلام إنما يكون إيقاظا للسامع عن الغفلة ، وتطريبا له بنقله من خطاب إلى خطاب آخر ، فإن السامع ربما ملّ من أسلوب فينقله إلى أسلوب آخر ، تنشيطا له في الاستماع ، واستمالة له في الإصغاء إلى ما يقوله ، وما ذكره الزمخشري لا غبار على وجهه ، وهو قول سديد يشير إلى مقاصد البلاغة ، ويعتضد بتصرف أهل الخطاب ، ومن مارس طرفا من علوم الفصاحة لاح له على القرب ، أن ما قاله الزمخشري قوى من جهة النظر ، يدرى كنهه النظّار ، ويتقاعد عن فهمه الأغمار ، وقد زعم ابن الأثير ردا لكلام الزمخشري بوجهين ، أحدهما أنه قال إنما جاز الالتفات من أجل التنشيط للسامع ، واعترضه بأن الكلام لو كان فصيحا لم يكن مملولا ، وهذا خطأ وجهل بمقاصد البلاغة ، فإن مثل هذا لا يزيل فصاحة الكلام ، ولا ينقص من بلاغته ، ولهذا فإنه لو ترك فيه الالتفات فإنه باق على الفصاحة ، ولكن الغرض أن خروجه من أسلوب الخطاب إلى الغيبة ، يزيد في البلاغة ويحسّنها ، ويكون الخطاب مع ما ذكرناه أوقع وأكشف عن المراد وأرفع . وثانيهما قوله : إن ما قاله الزمخشري إنما يوجد في الكلام المطول ، والالتفات كما يستعمل في الطويل فهو يستعمل في القصير ، وهذا فاسد أيضا فإن الزمخشري لم يشترط التطويل في حسن الالتفات ، فينتقض بما ذكرته ، وإنما أراد تحصيل الإيقاظ وازدياد النشاط بذكر الالتفات ، وهذا حاصل في الكلام سواء كان طويلا أو قصيرا ، فإذن لا وجه لكلام ابن الأثير على ما قصده الزمخشري وانتحاه ، ومن العجب أنه شنّع فيما أورده على الزمخشري وقال : كيف ذهب عنه معرفته مع إحاطته بفن البلاغة والفصاحة ، وما درى أن ما قاله خير مما أتى به ابن الأثير ، فإن ما أراده الزمخشري معنى يليق بالبلاغة ، ويزيدها قوة ، وما ذكره ابن الأثير رد إلى عماية ، وقول ليس له حاصل ، ولا يدرك له نهاية ، وما عابه إلا لأنه لم يطلع على أغواره ، ولا أحاط بكنهه ، ودقيق أسراره ، ولقد صدق من قال « 1 » : وكم من عائب قولا سليما * وآفته من الفهم السقيم وإذا تم ما ذكرناه فلنرجع إلى تقرير الالتفات وتقرير أساسه ، فنقول الالتفات يرد على أضرب ثلاثة : الضرب الأول ما يرجع إلى [ الغيبة ، والخطاب ، والتكلم ] ، فأما الرجوع من الغيبة إلى
--> ( 1 ) البيت بلا نسبة في تاج العروس ( كفر ) ، ويروى « صحيحا » مكان قوله « سليما » .